ابن عجيبة

597

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

يقول الحق جل جلاله : إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ - بفتح اللام ، وكسرها « 1 » - أي : لكن عباد اللّه المخلصين في أعمالهم ، أو : الذين أخلصهم اللّه ونجاهم من الشرك ، فليسوا مع أولئك المعذّبين ، بل أُولئِكَ المخلصون لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ ، يأتيهم بكرة وعشيا ، كحال المياسير في الدنيا ، فهو معلوم الوقت ؛ لأن النفس إليه أسكن . قال القشيري : قد كان في وقت الرسول صلى اللّه عليه وسلم من له رزق معلوم ، فهو من جملة المياسير ، وهذه صفة أهل الجنة ، لهم في الآخرة رزق معلوم لأبشارهم وأسرارهم ، فالأغنياء - اليوم - لهم رزق معلوم لأبشارهم ، والفقراء لهم رزق معلوم لقلوبهم وأسرارهم . ه . ثم فسّره بقوله : فَواكِهُ : جمع فاكهة ، وهي كل ما يتلّذذ به ، فليس قوتهم لحفظ الصحة ، بل رزقهم كله فواكه ؛ لأنهم مستغنون عن حفظ الصحة بالأقوات ؛ لأن أجسامهم نورانية مخلوقة للأبد ، فما يأكلونه إنما هو للتلذذ . أو : معلوم ، أي : منعوت بخصائص خلق عليها من طيب طعم ، ورائحة ، ولذّة ، وحسن منظر ، وَهُمْ مُكْرَمُونَ : معظّمون . قال القشيري : من ذلك : ورد الرسل عليهم من قبل اللّه - عزّ وجلّ - في كل وقت ، وكذلك اليوم الخطاب وارد على قلوب الخواص في كل وقت بكلّ أمر . ه . وقوله : فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ، إما ظرف لمكرمون ، أو : حال ، أو : خبر ، أي : في جنة ليس فيها إلا النعيم المقيم . وكذا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ : يقابل بعضها بعضا ، إن استوت درجتهم ، فالتقابل أتم للسرور ، وآنس . يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ ؛ إناء من زجاج فيه شراب ، ولا يكون كأسا حتى يكون فيه شراب ، وإلا فهو إناء . وقد تسمّى الخمر كأسا . قال الأخفش : كل كأس في القرآن فهو خمر . ومثل لابن عباس . مِنْ مَعِينٍ ؛ من خمر معين ، أي : جارية في أنهار ظاهرة للعيون ، وصف بما وصف به الماء ؛ لأنه يجرى في الجنة أنهارا ، كما يجرى الماء ، قال تعالى : وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ « 2 » . وقوله : بَيْضاءَ ؛ صفة للكأس ، أي : صافية في نهاية اللطافة . لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ أي : لذيذة للشاربين ، وصفت باللذة ، كأنها نفس اللذة وعينها . أو : ذات لذة . لا فِيها غَوْلٌ أي : لا تغتال عقولهم فتذهب بها ، كخمر الدنيا ، وهو من : غاله يغوله : إذا أهلكه وأفسده . أو : لا فيها غول : إثم ، أو وجع بطن أو صداع ، وهو وجع الرأس ، أي : لا ينشأ عنها شئ مما ذكر . وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ يسكرون ، من : نزف الشارب : إذا ذهب عقله . ويقال للسكران : نزيف ، ومنزوف . ومن قرأ بكسر الزاي « 3 » فمعناه : لا ينفد شرابهم ، يقال : أنزف الرجل فهو منزف : إذا فنيت خمرته .

--> ( 1 ) قرأ نافع ، وعاصم ، وحمزة ، والكسائي ، وأبو جعفر ، « المخلصين » بفتح اللام . ( 2 ) من الآية 15 من سورة سيدنا محمد . ( 3 ) قرأ بذلك حمزة ، والكسائي . وقرأ الباقون بفتح الزاي . . انظر الإتحاف ( 2 / 411 ) .